فصل: تفسير الآية رقم (16)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ‏}‏ جواب من جهته تعالى عن قولهم وأخبار بالعود على تقدير الكشف أي إن كشفنا عنكم العذاب كشفاً قليلاً أو زماناً قليلاً عدتم والمراد على ما قيل عائدون إلى الكفر؛ وأنت تعلم أن عودهم إليه يقتضي إيمانهم وقد مر أنهم لم يؤمنوا وإنما وعدوا الإيمان فإما أن يكون وعدهم منزلاً منزلة إيمانهم أو المراد عائدون إلى الثبات على الكفر أو على الإقرار والتصريح به وقال قتادة‏:‏ هذا توعد بمعاد الآخرة وهو خلاف الظاهر جداً ومن قال‏:‏ إن الدخان يوم القيامة قال إن قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّا كَاشِفُواْ‏}‏ إلى آخره وعد بالكشف على نحو قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 28‏]‏ ومن قال المراد به ما هو من أشراط الساعة قال بإمكان الكشف وعدم انقطاع التكليف عند ظهوره وإن كان من الأشراط بل جاء في بعض الآثار أنه يمكث أربعين يوماً وليلة فيكشف عنهم فيعودون إلى ما كانوا عليه من الضلال، وحمله على ما روي عن ابن مسعود ظاهر الاستقامة لا قيل فيه ولا قال، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَدْ جَاءهُمْ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 13‏]‏ الخ قوي الملاءمة له وهو بعيد الملاءمة للقول المروى عن الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه فقد احتيج في تحصيلها إلى جعل الإسناد من باب إسناد حال البعض إلى الكل أو حمل الناس على الكفار الموجودين في ذلك الوقت والأمر على القول بأنه ما كان في فتح مكة أهون إلا أنه مع ذلك ليس كقول ابن مسعود فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى‏}‏ هو يوم بدر عند ابن مسعود وأخرجه عبد بن حميد‏.‏ وابن جرير عن أبي بن كعب‏.‏ ومجاهد‏.‏ والحسن‏.‏ وأبي العالية‏.‏ وسعيد بن جبير‏.‏ ومحمد بن سيرين‏.‏ وقتادة‏.‏ وعطية، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وعبد بن حميد بسند صحيح عن عكرمة‏.‏ قال‏:‏ قال ابن عباس قال ابن مسعود البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول‏:‏ هي يوم القيامة ونقل في»البحر» حكاية أنه يوم القيامة عن الحسن‏.‏ وقتادة أيضاً‏.‏

والظرف معمول لما دل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا مُنتَقِمُونَ‏}‏ أي إنا ننتقم يوم إذ انا منتقمون، وقيل لمنتقمون ورده الزجاج وغيره بأن ما بعد إن لا يجوز أن يعمل فيما قبلها، وقيل لعائدون على معنى إنكم لعائدون إلى العذاب يوم نبطش‏.‏

وقيل بكاشفوا العذاب وليس بشيء وقيل لذكرهم أو اذكر مقدراً، وقيل هو بدل من ‏{‏يَوْمَ تَأْتِى‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 10‏]‏ الخ‏.‏

وقرىء ‏{‏نَبْطِشُ‏}‏ بضم الطاء وقرأ الحسن‏.‏ وأبو رجاء‏.‏ وطلحة بخلاف عنه ‏{‏نَبْطِشُ‏}‏ بضم النون من باب الأفعال على معنى نحمل الملائكة عليهم السلام على أن يبطشوا بهم أو نمكنهم من ذلك فالمفعول به محذوف للعلم وزيادة التهويل، وجعل البطشة على هذا مفعولاً مطلقاً على طريقة ‏{‏أنبتكم‏.‏‏.‏‏.‏ نباتاً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 17‏]‏، وقال ابن جني، وأبو حيان‏:‏ هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه الظاهر أي يوم نبطش من نبطشه فيبطش البطشة الكبرى، وقال ابن جني‏:‏ ولك أن تنصبها على أنها مفعول كأنه به قيل‏:‏ يوم نقوي البطشة الكبرى عليهم ونمكنها منهك كقولك‏:‏ يوم نسلط القتل عليهم ونوسع الأخذ منهم، وفي «القاموس» بطش به يبطش ويبطش أخذه بالعنف والسطوة كابطشة والبطش الأخذ الشديد في كل شيء والبأس اه فلا تغفل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ‏}‏ أي امتحناهم بإرسال موسى عليه السلام إليهم على أنه من فتن الفضة عرضها على النار فيكون بمعنى الامتحان وهو استعارة والمراد عاملناهم معاملة الممتحن ليظهر حالهم لغيرهم أو أوقعناهم في الفتنة على أنه بمعناه المعروف والمراد بالفتنة حينئذٍ ما يفتن به الشخص أي يغتر ويغفل عما فيه صلاحه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 15‏]‏ وفسرت هنا بالإمهال وتوسيع الرزق‏.‏

وفسر بعضهم الفتنة بالعذاب ثم تجوز به عن المعاصي التي هي سبب وهو تكلف ما لا داعي له‏.‏

وقرىء ‏{‏فَتَنَّا‏}‏ بتشديد التاء إما لتأكيد معناه المصدري أو لتكثير المفعول أو الفعل‏.‏

‏{‏وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ‏}‏ أي مكرم معظم عند الله عز وجل أو عند المؤمنين أو عنده تعالى وعندهم أو كريم في نفسه متصف بالخصال الحميدة والصفات الجليلة حسباً ونسباً، وقال الراغب‏:‏ الكرم إذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه، ونقل عن بعض العلماء أن الكرم كالحرية إلا أن الحرية قد تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة‏.‏

وقال الخفاجي أصل معنى الكريم جامع المحامد والمنافع وادعى لذلك أن تفسيره به أحسن من تفسيره بالتفسيرين السابقين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ الله‏}‏ اطلقوهم وسلموهم إلى، والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون مستعبدهم، والتعبير عنهم بعباد الله تعالى للإشارة إلى أن استعباده إياهم ظلم منه، والأداء مجاز عما ذكر، وهذا كقوله عليه السلام ‏{‏فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 47‏]‏ وروى ذلك عن ابن زيد ومجاهد‏.‏ وقتادة أو أدوا إلى حق الله تعالى من الايمان وقبول الدعوة يا عباد الله على أن مفعول ‏{‏أَدُّواْ‏}‏ محذوف وعباد منادى وهو عام لبني إسرائيل والقبط، والأداء بمعنى الفعل للطاعة وقبول الدعوة وروى هذا عن ابن عباس، وأن عليهما قيل مصدرية قبلها حرف جر مقدر متعلق بجاءهم أي بأن أدوا، وتعقب بأنه لا معنى لقولك‏:‏ جاءهم بالتأدية إلى، وحمله على طلب التأدية إلى لا يخلو عن تعسف ورد بأنه بتقدير القول وهو شائع مطرد فتقديره بأن قال أدوا إلى ولا يخلو عن تكلف ما ومع هذا الأمر مبني على جواز وصل المصدرية بالأمر والنهي وهو غير متفق عليه، نعم إلا صح الجواز‏.‏

وقيل‏:‏ هي مخففة من الثقيلة، وتعقب بأنها حينئذ يقدر معها ضمير الشأن ومفسره لا يكون إلا جملة خبرية وأيضاً لا بد أن يقع بعدها النفي أوقد أو السين أو سوف أو لو وأن يتقدمها فعل قلبي ونحوه وأجيب بأن مجيء الرسول يتضمن معنى فعل التحقيق كالأعلام والفصل المذكور غير متفق عليه، فقد ذهب المبرد تبعاً للبغاددة إلى عدم اشتراطه، والقول بأنه شاذ يصان الررن عن مثله غير مسلم واشتراط كون مفسر ضمير الشأن جملة خبرية فيه خلاف على ما يفهم من كلام بعضهم، ولم يذكر في «المغنى» في الباب الرابع في الكلام على ضمير الشأن‏.‏ إلا اشتراط كون مفسره جملة ولم يشترط فيها الخبرية ولم يتعرض لخلاف، نعم قال في الباب الخامس‏:‏ النوع الثامن اشتراطهم في بعض الجملة الخبرية وفي بعضها الإنشائية وعد من الأول خبر إن وضمير الشأن لكنه قال بعد‏:‏ وينبغي أن يستثني من ذلل في خبري أن وضمير الشأن خبر أن المفتوحة إذا خففت فإنه يجوز أن يكون جملة دعائية كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 9‏]‏ في قراءة من قرأ أن وغضب بالفعل والاسم الجليل فاعل‏.‏

وحقق بعض الأجلة أن الاخبار عن ضمير الشأن بجملة إنشائية جائز عند الزمخشري أو هي مفسرة وقد تقدم ما يدل على القول دون حروفه لأن مجيء الرسول يكون برسالة ودعوة وكأن التفسير لمتعلقه المقدر أي جاءهم بالدعوة وهي أن ادوا إلى عبار الله ‏{‏وَإِنّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله‏}‏ ولا تستكبروا عليه سبحانه بالاستهانة بوحيه جل شأنه ورسوله عليه السلام ‏{‏وَأَنْ‏}‏ كالتي قبلها، والمعنى على المصدرية بكفكم عن العلو على الله تعالى ‏{‏إِنّى ءاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ‏}‏ تعليل للنهي أي آتيكم بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها أو موضحة صدق دعواي ‏{‏وآتيكم‏}‏ على صيغة الفاعل أو المضارع، ولا يخفى حسن ذكر الأمين مع الأداء والسلطان مع العلاء، وذكر أن في الأول ترشيحاً للاستعارة المصرحة أو المكنية بجعلهم كأنهم مال للغير في يده أمره بدفعه لمن يؤتمن عليه وفي الثاني تورية عن معنى الملك مرشحة بقوله ‏{‏وَأَن لاَّ تَعْلُواْ‏}‏ وقرأت فرقة ‏{‏إِنّى‏}‏ بفتح الهمزة فقيل هو أيضاً على تعليل النهي بتقدير اللام، وقيل‏:‏ هو متعلق بما دخله النهي نظير قولك لمن غضب من قول الحق له لا تغضب لأن قيل لك الحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ‏}‏ أي التجأت إليه تعالى وتوكلت عليه جل شأنه ‏{‏أَن تَرْجُمُونِ‏}‏ من أن ترجموني أي تؤذوني ضرباً أو شتماً أو أن تقتلوني، وروى هذا عن قتادة وجماعة قيل‏.‏ لما قال‏:‏ ‏{‏أن لا تعلوا على الله‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 19‏]‏ توعدوه بالقتل فقال ذلك، وفي «البحر» أن هذا كان قبل أن يخبره عز وجل بعجزهم عن رجمه بقوله سبحانه‏:‏ فلا يصلون إليكما والجملة عطف على الجملة المستأنفة، وقرأ أبو عمرو‏.‏ والإخوان عت بإدغام الذال في التاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ فاعتزلون‏}‏ فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي ولا تتعرضوا لي بسوء فليس ذلك جزاء من يدعوكم إلى ما فيه فلا حكم، وقيل‏:‏ المعنى وإن لم تؤمنوا لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمن فتنحوا واقطعوا أسباب الوصلة عني، ففي الكلام حذف الجواب وإقامة المسبب عنه مقامه والأول أوفق بالمقام، والاعتزال عليه عبارة عن الترك وإن لم تكن مفارقة بالأبدان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏فَدَعَا رَبَّهُ‏}‏ بعد أن أصروا على تكذيبه عليه السلام ‏{‏إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ مُّكْرَمُونَ‏}‏ أي بأن هؤلاء الخ فهو بتقدير الباء صلة الدعاء كمايقال دعا بهذا الدعاء، وفيه اختصار كأنه قيل‏:‏ أن هؤلاء قوم مجرمون تناهى أمرهم في الكفر وأنت أعلم بهم فافعل بهم ما يستحقونه قيل كان دعاؤه عليه السلام اللهم عجل لهم ما يستحقون باجرامهم، وقيل‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 85-88‏]‏ وإنما ذكر الله سبحانه السبب الذي استوجبوا به الهلاك ليعلم منه دعاؤه والإجابة معاً وأن دعاءه كان على يأس من إيمانهم وهذا من بليغ اختصارات الكتاب المعجز‏.‏

وقرأ ابن أبي إسحق‏.‏ وعيسى‏.‏ والحسن في رواية‏.‏ وزيد بن علي بكسر همزة أن وخرج على إضمار القول أي قائلاً أن هؤلاء الخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏فَأَسْرِ بِعِبَادِى‏}‏ وهم بنو إسرائيل وم آمن به من القبط ‏{‏لَيْلاً‏}‏ بقطع من الليل، والكلام باضمار القول أما بعد الفاء أي فقال أسر الخ فالفاء للتعقيب والترتيب والقول معطوف على ماقبله أو قبلها كأنه قيل قال‏:‏ أو فقال أن كان الأمر كما تقول‏:‏ فاسر الخ، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر وهو وجوابه مقول القول المقدر مع الفاء أو بدونها على أنه استئناف والاضمار الأول لقلة التقدير مع أن تقدير أن لا يناسب إذ لا شك فيه تحقيقاً ولا تنزيلاً وجعلها بمعنى إذا تكلف على تكلف وأبو حيان لا يجيز حذف الشرط وإبقاؤ جوابه في مثل هذا الموضع وقد شنع على الزمخشري في تجويزه، وقرأ نافه‏.‏ وابن كثير‏.‏ ‏{‏فَأَسْرِ‏}‏ بوصل الهمزة من سرى‏.‏

‏{‏إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ‏}‏ يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم فالجملة مستأنفة لتعليل الأمر بالسرى ليلاً ليتأخر العلم به فلا يدركون والتأكيد لتقدم ما يلوح بالخبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏واترك البحر رَهْواً‏}‏ أي ساكناً كما قال ابن عباس يقال رها البحر يرهو رهواً سكن ويقال‏:‏ جاءت الخيل رهواً أي ساكنة، قال الشاعر‏:‏

والخيل تمزع رهواً في أعنتها *** كالطير ينجو من الشؤبوب ذي البرد

ويقال افعل ذلك رهواً أي ساكناً على هينة وأنشد غير واحد للقطامي في نعت الركاب‏:‏

يمشين رهواً فلا الإعجاز خاذلة *** ولا الصدور على الاعجاز تتكل

والظاهر أنه مصدر في الأصل يؤول باسم الفاعل، وجوز أن يكون بمعنى الساكن حقيقة وعن مجاهد رهواً أي منفرجاً مفتوحاً قال أبو عبيدة رها الرجل يرهو رهواً فتح بين رجليه، وعن بعض العرب أنه رأى جملاً فالجأ أي ذا سنامين فقال‏:‏ سبحان الله تعالى رهو بين سنامين قالوا‏:‏ أراد فرجة واسعة، والظاهر أيضاً أنه مصدر مؤول أو فيه مضاف مقدر أي ذا فرجة قال قتادة‏:‏ أراد موسى عليه السلام بعد أن جاوز البحر هو ومن معه أن يضربه بعصاه حتى يلتئم كما ضربه أولاً فانفلق لئلا يتبعه فرعون وجنوده فأمر بأن يتركه رهواً أي مفتوحاً منفرجاً أو ساكناً على هيئته قاراً على حاله من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً ولا يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئاً ليدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله تعالى عليهم، وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ‏}‏ فهو تعليل للأمر بتركه رهواً، وقيل‏:‏ رهواً سهلاً، وقيل‏:‏ يابساً، وقيل‏:‏ جدداً، وقيل‏:‏ غير ذلك والكل بيان لحاصل المعنى، وزعم الراغب أن الصحيح أن الرهو السعة من الطريق ثم قال‏:‏ ومنه الرهاء المفازة المستوية ويقال لكل جوبة مستوية يجتمع فيها الماء رهو ومنه قيل‏:‏ لا شفعة في رهو‏.‏ والحق أن ما ذكره من جملة إطلاقاته وأما أنه الصحيح فلا وقرىء ‏{‏أَنَّهُمْ‏}‏ بالفتح أي لأنهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏كَمْ تَرَكُواْ‏}‏ أي كثيراً تركوا بمصر ‏{‏مّن جنات وَعُيُونٍ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ‏}‏ حسن شريف في بابه، وأريد بذلك كما روى عن قتادة المواضع الحسان من المجالس والمساكن وغيرها‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس‏.‏ وابن مردويه عن جابر أنه أريد به المناب، ر وروى ذلك عن مجاهد وابن جبير أيضاً، وقيل‏:‏ السرر في الحجال والأول أولى، وقرأ ابن هرمز‏.‏ وقتادة‏.‏ وابن السميقن‏.‏ ونافع في رواية خارجة ‏{‏مَّقَامِ‏}‏ بضم الميم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏وَنَعْمَةٍ‏}‏ أي تنعم، قال الراغب‏:‏ النعمة بالفتح التنعم وبناؤها بناء المرة من الفعل كالضربة والشتمة والنعمة بالكسر الحالة الحسنة وبناؤها بناء التي يكون عليها الإنسان كالجلسة والركبة وتقال للجنس الصادق بالقليل والكثير واختير ههنا تفسير النعمة بالشيء المنعم به لأنه أنسب للترك وهي كثيراً ما تكون بهذا المعنى‏.‏

وقرأ أبو رجاء ‏{‏وَنَعْمَةٍ‏}‏ بالنصب وخرج بالعطف على ‏{‏كَمْ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25‏]‏، وقيل‏:‏ هي معطوفة على محل ما قبلها كأنه قيل‏:‏ كم تركوا جنات وعيوناً وزروعاً ومقاماً كريماً ونعمة ‏{‏كَانُواْ فِيهَا فاكهين‏}‏ طيبي الأنفس وأصحاب فاكهة ففاكه كلابن وتامر، وقال القشيري‏:‏ لاهين، وقرأ الحسن‏.‏ وأبو رجاء ‏{‏فَكِهِينَ‏}‏ بغير ألف والفكه يستعمل كثيراً في المستخف المستهزىء فالمعنى مستخفين بشكر النعمة التي كانوا فيها‏.‏

وقال الجوهري؛ فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان مزاحاً والفكه أيضاً الأشر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏كذلك‏}‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى الأمر كذلك، والمراد التأكيد والتقرير فيوقف على ذلك فالكاف في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف أو الجار والمجرور كذلك، وقيل‏:‏ الكاف في موضع نصب أي نفعل فعلاً كذلك لمن نريد إهلاكه، وقول الكلبي‏:‏ أي كذلك أفعل بمن عصاني ظاهراً فيما ذكر، وقال الزمخشري‏:‏ الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أي المفهوم مما تقدم أخرجناهم منها ‏{‏وأورثناها قَوْماً ءاخَرِينَ‏}‏ عطف على ‏{‏تركوا‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25‏]‏ والجملة معترضة فيما عدا القول الأخير وعلى أخرجناهم فيه، وقيل‏:‏ الكاف منصوبة على معنى تركوا تركاً مثل ذلك فالعطف على ‏{‏تَرَكُواْ‏}‏ بدون اعتراض وهو كما ترى، والمراد بالقوم الآخرين بنو إسرائيل وهم مغايرون للقبط جنساً وديناً‏.‏ ويفسر ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء ‏(‏59‏)‏ ‏{‏كَذَلِكَ وأورثناها بَنِى إسراءيل‏}‏ وهو ظاهر في أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وملكوها وبه قال الحسن‏.‏

وقيل‏:‏ المراد بهم غير بني إسرائيل ممن ملك مصر بعد هلاك القبط وإليه ذهب قتادة قال‏:‏ لم يرد في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر ولا أنهم ملكوها قط وأول ما في سورة الشعراء بأنه من باب ‏{‏وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 11‏]‏ وقولك‏:‏ عندي درهم ونصفه فليس المراد خصوص ما تركوه بل نوعه وما يشبهه، والإيراث الإعطاء‏.‏ وقيل‏:‏ المراد من إيراثها إياهم تمكينهم من التصرف فيها ولا يتوقف ذلك على رجوعهم إلى مصر كما كانوا فيها أولاً، وأخذ جمع بقول الحسن وقالوا لا اعتبار بالتواريخ وكذا الكتب التي بيد اليهود اليوم لما أن الكذب فيها كثير وحسبنا كتاب الله تعالى وهو سبحانه أصدق القائلين وكتابه جل وعلا مأمون من تحريف المحرفين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والارض‏}‏ مجاز عن عدم الاكتراب بهلاكهم والاعتداد بوجودهم، وهو استعارة تمثيلية تخييلية شبه حال موتهم لشدته وعظمته بحال من تبكي عليه السماء والأجرام العظام وأثبت له ذلك والنفي تابع للإثبات في التجوز كما حقق في موضعه، وقيل‏:‏ هي استعارة مكنية تخييلية بأن شبه السماء والأرض بالإنسان وأسند إليهما البكاء أو تمثيلية بأن شبه حالهما في عدم تغير حالهما وبقائهما على ما كانا عليه بحال من لم يبك، وليس بشيء كما لا يخفى على من راجع كلامهم، وقد كثر في التعظيم لمهلك الشخص بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح ونحو ذلك، قال يزيد بن مفرغ‏:‏

الريح يبكي شجوه *** والبرق يلمع في غمامه

وقال النابغة‏:‏

بكى حارث الجولان من فقد ربه *** وحوران منه خاشع متضائل

أراد بهما مكانين معروفين، وقال جرير‏:‏

لما أتى بخبر الزبير تواضعت *** سور المدينة والجبال الخشع

وقال الفرزدق يرثي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز‏:‏

الشمس طالعة ليست بكاسفة *** تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

يتعجب من طلوع الشمس وكان من حقها أن لا تطلع أو تطلع كاسفة، والنجوم تروى منصوبة ومرفوعة فالنصب على المغالبة أي تغلب الشمس النجوم في البكاء نحو باكيته فبكيته، قال جار الله‏:‏ كان رضي الله تعالى عنه يتهجد بالليل فتبكيه النجوم ويعدل بالنهار فتبكيه الشمس والشمس غالبة في البكار لأن العدل أفضل من صلاة الليل، والجوهري جعلها منصوبة بكاسفة أي لا تكسف ضوء النجوم لكثرة بكائها وكأنه جعل خفاء النجوم تحت ضوء الشمس كسفاً لها مجازاً، وفيه أن الكسف بالمعنى المذكور غير واضح وتخلل تبكي غير مستفصح وفي «حواشي الصحاح» الشمس كاسفة ليست بطالعة‏.‏

وفيها أن نجوم الليل ظرف أي طول الدهر كأنه من باب آتيك الشمس والقمر أي وقتهما كأنه قيل‏:‏ تبكي ما يطلع النجوم والقمر، وفيه أن مثل هذا الظرف مسموع لا يثبت إلا بثبت فكيف يعدل إليه مع المعنى الواضح، وقيل‏:‏ التقدير تبكي بكاء النجوم فحذف المضاف‏.‏ وفيه أنه مما لا يكاد يفهم، والرفع واضح والقمر منصوب على أنه مفعول معه وهذا استطراد دعانا إليه شهرة البيت مع كثرة الخبط فيه‏.‏

وأخرج الترمذي‏.‏ وجماعة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يصعد مه علمه وباب ينزل منه رزقه فالمؤمن إذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والارض‏}‏ ‏"‏ وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على وجه الأرض عملاً صالحاً فتفقدهم فتبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم‏.‏

وأخرج البيهقي في «شعب الايمان» والحاكم وصححه وغيرهما عن ابن عباس قال؛ «إن الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحاً ثم قرأ الآية» وأخرج ابن المنذر‏.‏ وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال‏:‏ إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء ثم تلا ‏{‏فَمَا بَكَتْ‏}‏ الخ وجعلوا كل ذلك من باب التمثيل‏.‏

ومن أثبت كالصوفية للأجرام السماوية والأرضية وسائر الجمادات شعوراً لائقاً بحالها لم يحتج إلى اعتبار التمثيل وأثبت بكاء حقيقياً لها حسبما تقتضيه ذاتها ويليق بها أو أوله بالحزن أو نحوه وأثبته لها حسب ذلك أيضاً‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن المنذر عن عطاء بكاء السماء حمرة أطرافها‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن نحوه، وأخرج عن سفيان الثوري قال‏:‏ كان يقال هذه الحمرة التي تكون في السماء بكاء السماء على المؤمن؛ ولعمري ينبغي لمن لم يضحك من ذلك أن يبكي على عقله، وأنا لا أعتقد أن من ذكر من الأجلة كانوا يعتقدونه، وقيل‏:‏ إن الآية على تقدير مضاف أي فما بكت عليهم سكان السماء وهم الملائكة وسكان الأرض وهم المؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين‏.‏

وروى هذا عن الحسن والأحسن ما تقدم ‏{‏وَمَا كَانُواْ‏}‏ لما جاء وقت هلاكهم ‏{‏مُّنظَرِينَ‏}‏ ممهلين إلى وقت آخر أو إلى يوم القيامة بل عجل لهم في الدنيا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إسراءيل‏}‏ بما فعلنا بفرعون وقومه ما فعلنا ‏{‏مِنَ العذاب المهين‏}‏ من استبعاد فرعون وقتله أبناءهم واستحيائه نساءهم على الخسف والضيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏مِن فِرْعَوْنَ‏}‏ بدل من العذاب على حذف المضاف والتقدير من عذاب فرعون أو جعله عليه اللعنة عين العذاب مبالغة، وجوز أن يتعلق بمحذوف يقع حالاً أي كائناً من جهة فرعون، وقيل‏:‏ متعلق بمحذوف واقع صفة أي كائناً أو الكائن من فرعون ولا بأس بهذا إذا لم يعد ذلك من حذف الموصول مع بعض صلته‏.‏

وقرأ عبد الله ‏{‏مِنْ عَذَابِ المهين‏}‏ على إضافة الموصوف إلى صفته كبقلة الحمقاء‏.‏ وقرأ ابن عباس من ‏{‏فِرْعَوْنُ‏}‏ على الاستفهام لتهويل العذاب أي هل تعرفون من فرعون في عتوه وشيطنته فما ظنكم بعذابه، وقيل‏:‏ لتحقير فرعون بجعله غير معلوم يستفهم عنه كالنكرة لما فيه في القبائح التي لم يعهد مثلها وما بعد يناسب ما قبل كما لا يخفى‏.‏

وأياً ما كان فالظاهر أن الجملة استئناف، وقيل‏:‏ إنها مقول قول مقدر هو صفة للعذاب، وقدر المقول عنده إن كان تعريف العذاب للعهد ومقول إن كان للجنس فلا تغفل ‏{‏إِنَّهُ كَانَ عَالِياً‏}‏ متكبراً ‏{‏مِّنَ المسرفين‏}‏ في الشر والفساد، والجار والمجرور إما خبر ثان لكان أي كان متكبراً مغرقاً في الإسراف، وإما حال من الضمير المستتر في عالياً أي كان متكبراً في حال إغراقه في الإسراف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدِ اخترناهم‏}‏ أي اصطفينا بني إسرائيل وشرفناهم ‏{‏على عِلْمٍ‏}‏ أي عالمين باستحقاقهم ذلك أو مع علم منا بما يفرط منهم في بعض الأحوال، وقيل‏:‏ عالمين بما يصدر منهم من العدل والإحسان والعلم والايمان، ويرجع هذا إلى ما قيل أولاً فإن العدل وما معه من أسباب الاستحقاق، وقيل‏:‏ لأجل علم فيهم، وتعقب بأنه ركيك لأن تنكير العلم لا يصادف محزه‏.‏

وأجيب بأنه للتعظيم ويحسن اعتباره علة للاختيار ‏{‏عَلَى العالمين‏}‏ أي عالمي زمانهم كما قال مجاهد‏.‏ وقتادة فالتعريف للعهد أو الاستغراق العرفي فلا يلزم تفضيلهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم خير أمة أخرجت للناس على الإطلاق، وجوز أن يكون للاستغراق الحقيقي والتفضيل باعتبار كثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم لا من كل الوجوه حتى يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية، وقيل‏:‏ المراد اخترناهم للإيحاء على الوجه الذي وقع وخصصناهم به دون العالمين، وليس بشيء، ومما ذكرنا يعلم أنه ليس في الآية تعلق حرفي جر بمعنى بمتعلق واحد لأن الأول متعلق بمحذوف وقع حالاً والثاني متعلق بالفعل كقوله‏:‏

ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت *** على وآلت حلفة لم تحلل

وقيل‏:‏ لأن كل حرف بمعنى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏وءاتيناهم مِنَ الايات‏}‏ كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغيرها من عظائم الآيات التي لم يعهد مثلها في غيرهم، وبعضها وأن أوتيها موسى عليه السلام يصدق عليه أنهم أوتوه لأن ما للنبي لأمته ‏{‏مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ‏}‏ أي نعمة ظاهرة أو اختبار ظاهر للنظر كيف يعملون، وفي ‏{‏فِيهِ‏}‏ إشارة إلى أن هناك أموراً أخرى ككونه معجزة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏34‏]‏

‏{‏إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ ‏(‏34‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ هَؤُلآء‏}‏ كفار قريش لأن الكلام فيهم، وذكر قصة فرعون وقومه استطرادي للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار عن مثل ما حل بهم، وفي اسم الإشارة تحقير لهم ‏{‏لَيَقُولُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاولى‏}‏ أي ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ‏}‏ أي بمبعوثين بعدها، وتوصيفها بالأولى ليس لقصد مقابلة الثانية كما في قولك‏:‏ حج زيد الحجة الأولى، ومات‏.‏

قال الأسنوي في «التمهيد»‏:‏ الأول‏:‏ في اللغة ابتداء الشيء ثم قد يكون له ثان وقد لا يكون، كما تقول‏:‏ هذا أول ما اكتسبته فقد تكتسب بعده شيئاً وقد لا تكتسب كذا ذكره جماعة منهم الواحدي في تفسيره والزجاج‏.‏

ومن فروع المسألة ما لو قال‏:‏ إن كان أول ولد تلدينه ذكراً فأنت طالق تطلق إذا ولدته، وإن لم تلد غيره بالاتفاق، قال أبو علي‏:‏ اتفقوا على أنه ليس من شرط كونه أولاً أن يكون بعده آخر، وإنما الشرط أن لا يتقدم عليه غيره اه، ومنه يعلم ما في قول بعضهم‏:‏ إن الأول يضايف الآخر والثاني ويقتضي وجوده بلا شبهة، والمثال إن صح فإنما هو فيمن نوى تعدد الحج فاختر مته المنية فلحجة ثان باعتبار العزم من قصور الإطلاع وأنه لا حاجة إلى أن يقال‏:‏ إنها أولى بالنسبة إلى ما بعدها من حياة الآخرة بل هو في حد ذاته غير مقبول لما قال ابن المنير من أن الأولى إنما يقابلها أخرى تشاركها في أخص معانيها، فكما لا يصح أو لا يحسن أن يقال‏:‏ جاءني رجل وامرأة أخرى لا يقال الموتة الأولى بالنسبة لحياة الآخرة، وقيل‏:‏ إنه قيل لهم أنكم تموتون موتة تتعقبها حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة، وذلك قوله عز وجل ‏{‏وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 28‏]‏ فقالوا‏:‏ ‏{‏إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاولى‏}‏ يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تتعقبها حياة، إلا الموتة الأولى دون الثانية وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة، وهذا ما ارتضاه جار الله وأراد أن النفي والإثبات لما كان لرد المنكر المصر إلى الصواب كان منزلاً على إنكارهم، لا سيما والتعريف في الأولى تعريف عهد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الموتة الاولى‏}‏ تفسير للمبهم وهي على نحو هي العرب تقول كذا فيتطابقان والمعهود الموتة التي تعقبتها الحياة الدنيوية، ولذلك استشهد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُنتُمْ أمواتا‏}‏ الخ فليس اعتبار الوصف عدولاً عن الظاهر من غير حاجة كما قال ابن المنير‏.‏ وقوله في الاعتراض أيضاً‏:‏ إن الموت السابق على الحياة الدنيوية لا يعبر عنه بالموتة لأن ‏{‏فِيهَا‏}‏ لمكان بناء المرة إشعاراً بالتجدد والموت السابق مستصحب لم تتقدمه حياة مدفوع كما قال «صاحب الكشف»، ثم أنه لا يلزم من تفسير الموتة الأولى بما بعد الحياة في قوله تعالى‏:‏

‏{‏لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 56‏]‏ تفسيرها بذلك هنا لأن إيقاع الذوق عليها هناك قرينة أنها التي بعد الحياة الدنيا لأن ما قبل الحياة غير مذوق، ومع هذا كله الإنصاف إن حمل الموتة الأولى هنا أيضاً على التي بعد الحياة الدنيا أظهر من حملها على ما قبل الحياة من العدم بل هي المتبادرة إلى الفهم عند الإطلاق المعروفة بينهم، وأمر الوصف بالأولى على ما سمعت أولاً‏.‏

وقيل‏:‏ إنهم وعدوا بعد هذه الموتة موتة القبر وحياة البعث فقوله تعالى عنهم‏:‏ ‏{‏إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاولى‏}‏ رد للموتة الثانية وفي قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ‏}‏ نفي لحياة القبر ضمنا إذ لو كانت بدون الموتة الثانية لثبت النشر ضرورة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

‏{‏فَأْتُواْ بِئَابَائِنَا‏}‏ خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول والمؤمنين أي فأتوا لنا بمن مات من آبائنا ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ في وعدكم ليدل ذلك على صدقكم ودلالة الايقان إما لمجرد الإحياء بعد الموت وإما بأن يسألوا عنه، قيل‏:‏ طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو الله تعالى فيحيي لهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة النبوة والبعث إذ كان كبيرهم ومستشارهم في النوازل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏أَهُمْ خَيْرٌ‏}‏ في القوة والمنعة ‏{‏أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ‏}‏ هو تبع الأكبر الحميري واسمه أسعد بهمزة، وفي بعض الكتب سعد بدونها وكنيته أبو كرب وكان رجلاً صالحاً‏.‏ أخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت‏:‏ كان تبع رجلاً صالحاً ألا ترى أن الله تعالى ذم قومه ولم يذمه، وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلماً، وأخرج أحمد‏.‏ والطبراني‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم» وأخرج ابن عساكر‏.‏ وابن المنذر‏.‏ عن ابن عباس قال‏:‏ سألت كعباً عن تبع فإني أسمع الله تعالى يذكر في القرآن قوم تبع ولا يذكر تبعاً فقال‏:‏ إن تبعاً كان رجلاً من أهل اليمن ملكاً منصوراً فسار بالجيوش حتى انتهى إلى سمرقند فرجع فأخذ طريق الشام فأسر بها أحباراً فانطلق بهم نحو اليمن حتى إذا دنا من ملكه طار في الناس أنه هادم الكعبة فقال له الأحبار‏:‏ ما هذا الذي تحدث به نفسك فإن هذا البيت لله تعالى وإنك لن تسلط عليه فقال‏:‏ إن هذا لله تعالى وأنا أحق من حرمه فأسلم من مكانه وأحرم فدخلها محرماً فقضي نسكه ثم انصرف نحو اليمن راجعاً حتى قدم على قومه فدخل عليه أشرافهم فقالوا‏:‏ يا تبع أنت سيدنا وابن سيدنا خرجت من عندنا على دين وجئت على غيره فاختر منا أحد أمرين إما تخلينا وملكنا وتعبد ما شئت وإما أن تذر دينك الذي أحدثت وبينهم يومئذ نار تنزل من السماء فقال الأحبار عند ذلك‏:‏ اجعل بينك وبينهم النار فتواعد القوم جميعاً على أن يجعلوها بينهم فجيء بالأحبار وكتبهم وجيء بالأصنام وعمارها وقدموا جميعاً إلى النار وقامت الرجال خلفهم بالسيوف فهدرت النار هدير الرعد ورمت شعاعاً لها فنكص أصحاب الأصنام وأقبلت النار وأحرقت الأصنام وعمارها وسلم الآخرون فأسلم قوم واستسلم قوم فلبثوا بعد ذلك عمر تبع حتى إذا نزل بتبع الموت استخلف أخاه وهلك فقتلوا أخاه وكفروا صفقة واحدة، وفي رواية عن ابن عباس أن تبعاً لما أقبل من الشرق بعد أن حير الحيرة أي بناها ونظم أمرها وهي بكسر الحاء المهملة وياء ساكنة مدينة بقرب الكوفة وبني سمرقند وهي مدينة بالعجم معروفة، وقيل‏:‏ إنه هدمها وقصد المدينة وكان قد خلف بها حين سافر ابناً له فقتل غيلة فأجمع على خرابها واستئصال أهلها فجمع له الأنصار وخرجوا لقتاله وكانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فأعجبه ذلك وقال‏:‏ إن هؤلاء لكرام فبينما هو على ذلك إذ جاءه كعب‏.‏

وأسد ابنا عم من قريظة حبر إن وأخبراه أنه يحال بينك وبين ما تريد فإنها مهاجر نبي من قريش اسمه محمد صلى الله عليه وسلم ومولده بمكة فثناه قولهما عما يريد ثم دعواه إلى دينهما فاتبعهما وأكرمهما فانصرفوا عن المدينة ومعهم نفر من اليهود فقال له في الطريق نفر من هذيل‏:‏ ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبر جد وذهب وفضة بمكة وأرادت هذيل هلاكه لأنهم عرفوا أنه ما أراده أحد بسوء إلا هلك فذكر ذلك للحبرين فقالا‏:‏ ما نعلم لله عز وجل بيتاً في الأرض اتخذه لنفسه غير هذا فاتخذه مسجداً وانسك عنده واحلق رأسك وما أراد القوم إلا هلاكك فأكرمه وكساه وهوأول من كسى البيت وقطع أيدي أولئك النفر من هذيل وأرجلهم وسمل أعينهم وصلبهم‏.‏ وفي رواية أنه قال للحبرين حين قالا له ما قالا‏:‏ وأنتما ما يمنعكما من ذلك‏؟‏ فقالا‏:‏ أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام وإنه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله وبالدماء التي يريقونها عنده وهم نجس أهل شرك فعرف صدقهما ونصحهما فطاف بالبيت ونحر وحلق رأسه وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل، وقيل‏:‏ إنه أراد تخريب البيت فرمى بداء عظيم فكف عنه وكساه‏.‏

وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحق أن تبعاً أرى في منامه أن يكسو البيت فكساه الخصف ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافر ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الوصائل وصائل اليمن فكان فيما ذكر لي أول من كساه وأوصى بها ولاته من جرهم وأمر بتطهيره وجعل له باباً ومفتاحاً‏.‏ وفي رواية أنه قال أيضاً‏:‏ ولا تقربوه دماً ولا ميتاً ولا تقربه حائض، وفي نهاية ابن الأثير في الحديث أن تبعاً كسى البيت المسوح فانتفض البيت منه ومزقه عن نفسه ثم كساه الخصف فلم يقبله ثم كساه الانطاع، وفي موضع آخر منها إن أول من كسى الكعبة كسوة كاملة تبع كساها الانطاع ثم كساها الوصائل والخصف فعل بمعنى مفعول من الخصف وهو ضم الشيء إلى الشيء والمراد شيء منسوج من الخوص على ما هو الظاهر، وقيل‏:‏ أريد به ههنا الثياب الغلاظ جداً تشبيهاً بالخصف المذكور، والمعافر برود من اليمن منسوبة إلى معافر قبيلة بها، والميم زائدة، والوصائل ثياب حمر مخططة يمانية، والمسوح جمع مسح بكسر الميم وسكون المهملة أثواب من شعر غليظة، والانطاع جمع نطع بالكسر وبالفتح وبالتحريك بسط من أديم‏.‏ وأخرج ابن سعد‏.‏ وابن عساكر عن أبي بن كعب قال‏:‏ لما قدم تبع المدينة ونزل بفنائها بعث إلى أحبار يهود فقال‏:‏ إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى دين العرب فقال له‏:‏ شامول اليهودي وهو يومئذ أعلمهم‏:‏ أيها الملك إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل مولده بمكة اسمه أحمد وهذه دار هجرته إلى أن قال‏:‏ قال وما صفته‏؟‏ قال‏:‏ رجل ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حمرة يركب البعير ويلبس الشملة سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى حتى يظهر أمره فقال تبع‏:‏ ما إلى هذا البلد من سبيل وما كان ليكون خرابها على يدي‏.‏

وذكر أبو حاتم الرياشي أنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقيل بينه وبين مولده عليه الصلاة والسلام ألف سنة، والقولان يدلان على أنه قبل مبعث عيسى عليه السلام‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لا تقولوا في تبع إلا خيراً فإنه قد حج البيت وآمن بما جاء به عيسى ابن مريم، وهو يدل على أنه بعد مبعث عيسى عليه السلام، والأول أشهر‏.‏

ومن حديث عباد بن زياد المري أنه لما أخبره اليهود أنه سيخرج نبي بمكة يكون قراره بهذا البلد يعني المدينة اسمه أحمد وأخبروه أنه لا يدركه قال للأوس والخزرج‏:‏ أقيموا بهذا البلد فإن خرج فيكم فوازروه وإن لم يخرج فأوصوا بذلك أولادكم، وقال في شعره‏:‏

حدثت أن رسول الملي *** ك يخرج حقاً بأرض الحرم ولو مد دهري إلى دهره

لكنت وزيراً له وابن عم *** وفي «البحر» بدل البيت الأول‏:‏

شهدت على أحمد أنه *** رسول من الله باري النسم

وفيه أيضاً رواية عن ابن إسحاق‏.‏ وغيره أنه كتب أيضاً كتاباً وكان فيه أما بعد فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك وأنا على دينك وسنتك وآمنت بربك ورب كل شيء وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام فإن أدركتك فبها ونعمت وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة فإني من أمتك الأولين وتابعيك قبل مجيئك وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم عليه السلام، ثم ختم الكتاب ونقش عليه لله الأمر من قبل ومن بعد، وكتب عنوانه إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم من تبع الأول ودفعه إلى عظيم من الأوس والخزرج وأمره أن يدفعه للنبي عليه الصلاة والسلام إن أدركه‏.‏

ويقال‏:‏ إنه بنى له داراً في المدينة يسكنها إذا أدركه صلى الله عليه وسلم وقدم إليها وأن تلك الدار دار أبي أيوب خالد بن زيد وأن الشعر والكتاب وصلا إليه وأنه من ولد ذلك الرجل الذي دفعا إليه أولاً، ولما ظهر النبي عليه الصلاة والسلام دفعوا الكتاب إليه فلما قرىء عليه قال‏:‏ مرحباً بتبع الأخ الصالح ثلاث مرات‏.‏

وجاء أنه صلى الله عليه وسلم عليه صلاة الجنازة وكذا على البراء بن معروف بعد وفاته بشهر يوم قدومه عليه الصلاة والسلام المدينة كما قال النجم الغيطي وكانت صلاة الجنازة قد فرضت تلك السنة، وكون هذا هو تبع الأول ويقال له الأكبر هو المذكور في غير ما كتاب، وذكر عبد الملك بن عبد الله بن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون أن أسعد هذا هو تبع الأوسط وذكر أيضاً أن ملكه ثلثمائة وعشرين سنة وملك بعده عمرو أربعاً وستين سنة، وقال ابن قتيبة‏:‏ حسان وهو الذي قتل زرقاء اليمامة وأباد جديسا وكان ملكه خمساً وعشرين سنة؛ والتواريخ ناطقة بتقدم تبابعة عليه فإن تبعا يقال لمن ملك اليمن مطلقاً كما يقال لملك الترك خاقان، والروم قيصر، والفرس كسرى أولاً يسمى به إلا إذا كانت له حمير وحضرموت كما في «القاموس» أو إلا إذا كانت له حمير وسبأ وحضرموت كما ذكره الطيبي، والمتصف بذلك غير واحد كما لا يخفى على من أحاط خبراً بالتواريخ‏.‏ وما تقدم من حكاية أنه هدم سمرقند ذكر عبد الملك خلافه ونسب هدمها إلى شمر بن افريقيس ابن أبرهة أحد التبابعة أيضاً كان قبل تبع المذكور بكثير قال‏:‏ إن شمر خرج نحو العراق ثم توجه يريد الصين ودخل مدينة الصغد فهدمها وسميت شمر كند أي شمر خربها وعربت بعد فقيل سمرقند اه‏.‏

وحكاية البناء يمكن نسبتها إلى شمر هذا فإن كند في لغة أهل أذربيجان ونواحيها على ما قيل بمعنى القرية فسمرقند بمعنى قرية شمر وهو أوفق بالبناء، وذكر علامة عصره الملأ أمين أفندي العمري الموصلي تغمده الله تعالى برحمته في كتابه شرح ذات الشفاء أن تبعاً الذي ذكر سابقاً هو ابن حسان وأنه ملك الدنيا كلها وأنه يقال له الرائش لأنه راش الناس بالعطاء، ولعل ما قاله قول لبعضهم وإلا فقد قال ابن قتيبة‏:‏ إنه ابن كليكرب‏.‏

وفي شرح قصيدة ابن عبدون أن الرائش لقب الحرث بن بدر أحد التبابعة، وهو قبل أسعد المتقدم ذكره بزمان طويل جداً، وهو أيضاً ممن ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم في شعره فقال‏:‏

ويملك بعدهم رجل عظيم *** نبي لا يرخص في الحرام يسمى أحمداً يا ليت أني

أعمر بعد مخرجه بعام *** ثم إن ملكه الدنيا كلها غير مسلم، وبالجملة الأخبار مضطربة في أمر التبابعة وأحوالهم وترتيب ملوكهم بل قال صاحب تواريخ الأمم‏:‏ ليس في التواريخ أسقم من تاريخ ملوك حمير لما يذكر من كثرة عدد سنينهم مع قلة عدد ملوكهم فإن ملوكهم ستة وعشرون ومدتهم ألفان وعشرون سنة‏.‏

وقال بعض‏:‏ إن مدتهم ثلاثة آلاف واثنان وثمانون سنة ثم ملك من بعدهم اليمن الحبشة والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، والقدر المعول عليه ههنا أن تبعا المذكور هو أسعد أبو كرب وأنه كان مؤمناً بنبينا صلى الله عليه وسلم وكان على دين إبراهيم عليه السلام ولم يكن نبياً، وحكاية نبوته عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لا تصح، وإخباره بمبعثه صلى الله عليه وسلم لا يقتضيها لأنه علم ذلك من أحبار اليهود وهم عرفوه من الكتب السماوية‏.‏

وما روي من أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي لم يثبت، نعم روى أبو داود‏.‏ والحاكم أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «ما أدري أذو القرنين هو أم لا» وليس فيه ما يدل على التردد في نبوته وعدمها فإن ذا القرنين ليس بنبي على الصحيح، ثم إن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام درى بعد أنه ليس ذا القرنين‏.‏

وقال قوم‏:‏ ليس المراد بتبع هاهنا رجلاً واحداً إنما المراد ملوك اليمن، وهو خلاف الظاهر والأخبار تكذبه، ومعنى تبع متبوع فهو فعل بمعنى مفعول وقد يجىء هذا اللفظ بمعنى فاعل كما قيل للظل تبع لأنه يتبع الشمس، ويقال لملوك اليمن أقيال من يقيل فلان أباه إذا اقتدى به لأنهم يقتدى بهم، وقيل‏:‏ سمى ملكهم قيلاً لنفوذ أقواله وهو مخفف قيل كميت‏.‏

‏{‏والذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ أي قبل قوم تبع كعاد‏.‏ وثمود أو قبل قريش فهو تعميم بعد تخصيص ‏{‏أهلكناهم‏}‏ استئناف لبيان عاقبة أمرهم هدد به كفار قريش أو حال بإضمار قد أو بدونه من الضمير المستتر في الصلة أو خبر عن الموصول إن جعل مبتدأ ولم يعطف على ما قبله ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ‏}‏ تعليل لإهلاكهم أي أهلكناهم بسبب كونهم مجرمين فليحذر كفار قريش الإهلاك لإجرامهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏38‏]‏

‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا خَلَقْنَا السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏ أي ما بين الجنسين وهو شامل لما بين الطبقات‏.‏

وقرأ عبيد بن عمير ‏{‏وَمَا بَيْنَهُنَّ‏}‏ فالضمير لمجموع السموات والأرض ‏{‏لاَعِبِينَ‏}‏ أي عابثين وهو دليل على وقوع الحشر كما مر في الأنبياء ‏(‏16‏)‏‏}‏ وغيرها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏39‏]‏

‏{‏مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏مَا خلقناهما‏}‏ أي وما بينهما ‏{‏إِلاَّ بالحق‏}‏ استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما خلقناهما ملتبسين بشيء من الأشياء إلا ملتبسين بالحق فالجار والمجرور في موضع الحال من الفاعل، وجوز أن يكون في موضع الحال من المفعول، والباء للملابسة فيهما، وجوز أن تكون للسببية، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب أي ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق الذي هو الإيمان والطاعة والبعث والجزاء والملابسة أظهر ‏{‏ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ تذييل وتجهيل فخيم لمنكري الحشر وتوكيد لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ‏{‏وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏}‏ ولهذا قال المؤمنون‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 191‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ يَوْمَ الفصل‏}‏ أي فصل الحق عن الباطل والمحق عن المبطل بالجزاء أو فصل الشخص عن أحبابه وذوي قرابته ‏{‏ميقاتهم‏}‏ وقت وعدهم ‏{‏أَجْمَعِينَ‏}‏ وقرىء ‏{‏ميقاتهم‏}‏ بالنصب على أنه اسم إن والخبر ‏{‏يَوْمُ الفصل‏}‏ أي إن ميعاد حسابهم وجزائهم في يوم الفصل وليس مثل إن حراسنا أسداً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ لاَ يُغْنِى‏}‏ بدل من ‏{‏يوم الفصل‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 40‏]‏ أو عطف بيان عند من لا يشترط المطابقة تعريفاً وتنكيراً، وجوز نصبه بأعني مقدراً وأن يكون ظرفاً لما دل عليه الفصل لا له للفصل بينه وبينه بأجنبي، وهو مصدر لا يعمل إذا فصل لضعفه أوله على قول من اغتفر الفصل إذا كان المعمول ظرفاً كابن الحاجب‏.‏ والرضى، وجوز أبو البقاء كونه صفة لميقاتهم‏.‏ وتعقب بأنه جامد نكرة لإضافته للجملة فكيف يكون صفة للمعرفة مع أنه لا يصح بناؤه عند البصريين إذا أضيف إلى جملة صدرها معرب وهو المضارع أي يوم لا يجزى ‏{‏مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً‏}‏ من الإغناء أي الإجزاء، فشيئاً منصوب على المصدرية ويجوز كونه مفعولاً به، ويغني بمعنى يدفع وينفع‏.‏ وتنكير ‏{‏شَيْئاً‏}‏ للتقليل، والمولى الصاحب الذي من شأنه أن يتولى معونة صاحبه على أموره فيدخل في ذلك ابن العم والحليف والعتيق والمعتق وغيرهم، وذكر الخفاجي أنه من الولاية وهي التصرف فيشمل كل من يتصرف في آخر لأمر ما كقرابة وصداقة وهو قريب مما ذكرنا‏.‏ وأياً ما كان فليس ذلك من استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد، ولو سلم أن هناك مشتركاً استعمل في أكثر من معنى كانت الآية دليلاً لابن الهمام عليه الرحمة في جواز ذلك في النفي فيقال عنده‏:‏ ما رأيت عيناً ويراد العين الباصرة وعين الذهب وغيرها ويعلم من نفى إغناء المولى نفى إغناء غيره من باب أولى‏.‏

‏{‏وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏ الضمير عند جمع للمولى الأول؛ والجمع باعتبار المعنى لأنه نكرة في سياق النفي وهي تعم دون الثاني لأنه أفيد وأبلغ لأن حال المولى الثاني نصرته معلوم من نفي الإغناء السابق، ولأنه إذا لم ينصر من استند إليه فكيف هو، وأيضاً وجه جمع الضمير فيه أظهر، وجوز عوده على الثاني للدلالة على أنه لا ينصره غير مولاه وهو في سياق النفي أيضاً وإن لم يكن في ذلك بمرتبة الأول‏.‏ نعم قيل في وجه الجمع‏:‏ عليهما؛ إن النكرة في سياق النفي تدل على كل فرد فرد فلا يرجع الضمير لها جمعاً‏.‏

وأجيب بأنه لا يطرد لأنها قد تحمل على المجموع بقرينة عود ضمير الجمع عليها، ولعل الأولى عود الضمير على المولى المفهوم من النكرة المنفية، وقال بعض‏:‏ لو جعل الضمير للكفار كضمير ‏{‏ميقاتهم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 40‏]‏ كثرت الفائدة وقلت المؤنة فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله‏}‏ في محل رفع على أنه بدل من ضمير ‏{‏يُنصَرُونَ‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 41‏]‏ أو في محل نصب على الاستثناء منه أي لا يمنع من العذاب إلا من رحمه الله تعالى وذلك بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه‏.‏

وجوز كونه بدلاً أو استثناءً من ‏{‏مَوْلَى‏}‏ وفيه كما في الأول دليل على ثبوت الشفاعة لكن الرجحان للأول لفظاً ومعنى؛ والاستثناء من أي كان متصل، وقال الكسائي‏:‏ إنه منقطع أي لكن من رحمه الله تعالى فإنه لا يحتاج إلى قريب ينفعه ولا إلى ناصر ينصره، ولا وجه له مع ظهور الاتصال، نعم إنه لا يتأتى على كون الاستثناء من الضمير وكونه راجعاً للكفار فلا تغفل‏.‏

‏{‏إِنَّهُ هُوَ العزيز‏}‏ الغالب الذي لا ينصر من أراد سبحانه تعذيبه ‏{‏الرحيم‏}‏ لمن أراد أن يرحمه عز وجل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم‏}‏ مر معنى الزقوم في الصافات ‏(‏62‏)‏‏}‏ وقرىء ‏{‏شَجَرَةٍ‏}‏ بكسر الشين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏طَعَامُ الْأَثِيمِ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏طَعَامُ الاثيم‏}‏ أي الكثير الآثام والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه دون ما يعمه والعاصي المكثر من المعاصي ثم إن المراد به جنس الكافر لا واحد بعينه، وقال ابن زيد‏.‏ وسعيد بن جبير‏:‏ إنه هنا أبو جهل، وليس بشيء ولا دليل على ذلك بما أخرجه سعيد بن منصور عن أبي مالك من أن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزبد فيقول‏:‏ تزقموا فهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد صلى الله عليه وسلم فنزلت‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الاثيم‏}‏ لما لا يخفى، ومثله ما قيل‏:‏ إنه الوليد‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري‏.‏ وابن المنذر عن عوف بن عبد الله أن ابن مسعود أقرأ رجلاً ‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الاثيم‏}‏ فقال الرجل طعام اليثيم فرددها عليه فلم يستقم بها لسانه فقال أتستطيع أن تقول طعام الفاجر‏؟‏ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فافعل، وأخرج الحاكم وصححه وجماعة عن أبي الدرداء أنه وقع له مثل ذلك فلما رأى الرجل أنه لا يفهم قال‏:‏ إن شجرة الزقوم طعام الفاجر‏.‏

واستدل بذلك على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها‏.‏ وتعقبه القاضي أبو بكر في الانتصار بأنه أراد أن ينبهه على أنه لا يريد اليتيم بل الفاجر فينبغي أن يقرأ ‏{‏الاثيم‏}‏ وأنت تعلم أن هذا التأويل لا يكاد يتأتى فيما روي عن ابن مسعود فإنه كالنص في تجويز الإبدال لذلك الرجل وأبعد منه عن التأويل ما أخرج ابن مردويه عن أبي أنه كان يقرىء رجلاً فارسياً فكان إذا قرأ عليه ‏{‏إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الاثيم‏}‏ قال‏:‏ طعام اليتيم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «قل له طعام الظلام» فقالها ففصح بها لسانه، وفي الباب أخبار كثيرة جياد الأسانيد كخبر أحمد من حديث أبي هريرة «أنزل القرآن على سبعة أحرف عليماً حكيمً غفوراً رحيماً»

وكخبره من حديث أبي بكرة كله أي القرآن شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب نحو قولك تعالى وأقبل وأسرع وعجل إلى غير ذلك، لكن قال الطحاوي‏:‏ إنما كان ذلك رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ، وكذا قال ابن عبد البر‏.‏ والباقلاني‏.‏ وآخرون، ولعله أن تحقق إبدال من أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعده عليه الصلاة والسلام يقال‏:‏ إنه كان منه قبل الاطلاع على النسخ ومتى لم يجز إبدال كلمة مكان كلمة مؤدية معناها مع الاتحاد عربية فعدم جواز ذلك مع الاختلاف عربية وفارسية مثلاً أظهر، وما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من أنه يرى جواز قراءة القرآن بالفارسية بشرط أداء المعاني على كمالها فقد صح عنه خلافه، وقد حقق الشرنبلالي عليه الرحمة هذه المسألة في رسالة مفردة بما لا مزيد عليه، وقد تقدم في هذا الكتاب شيء من ذلك فتذكر، والطعام ما يتناول منه من الغذاء وأصله مصدر فلذا وقع خبراً عن المؤنث ولم يطابق، وجوز أن يكون ذلك من باب قوله‏:‏

إنارة العقل مكسوف بطوع هوى *** وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا

فكأنه قيل‏:‏ إن الزقوم طعام الأثيم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏كالمهل‏}‏ عكر الزيت كما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وجاء في حديث رواه الحاكم وغيره عن أبي سعيد مرفوعاً وفيه «فإذا قرب إلى وجهه يعني الجهنمي سقطت فروة وجهه وربما يؤيد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 8‏]‏ مع قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 37‏]‏ وقال بعض‏:‏ عكر القطران، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الصديد، ومنه ما في حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه ادفنوني في ثوبي هذين فإنما هما للمهل والتراب‏.‏ وفي رواية أخرى عنه رضي الله تعالى عنه أنه ما أذيب من ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص، وروي ذلك عن ابن مسعود، قيل‏:‏ وسمي ذلك مهلاً لأنه يمهل في النار حتى يذوب فهو من المهل بمعنى السكون، وادعى بعضهم الاشتراك وقد جاء استعماله في كل ما سمعت، وقرأ الحسن ‏{‏كالمهل‏}‏ بفتح الميم وهو لغة فيه، والجار والمجرور أو الكاف في محل رفع خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف لبيان حال الطعام أي هو كالمهل أو مثل المهل، وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَغْلِى فِى البطون‏}‏ خبر ثان لذلك المبتدأ، وقيل‏:‏ حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور فيكون وصفاً للطعام أيضاً؛ وقال أبو عبيد‏:‏ هو حال من المهل، وقيل‏:‏ صفة له لأن أل فيه للجنس نحو أمر على اللئيم يسبني ويعتبر داخلاً في التشبيه وأنت تعلم أن غليان الطعام في البطن فيه مبالغة أما التشبيه بمهل يغلي في البطن فلا، وقيل كالمهل أو الكاف خبر ثان لإن وجملة ‏{‏يَغْلِى فِى البطون‏}‏ حال من الزقوم أو الطعام‏.‏ وتعقب بأنه منع مجىء الحال من المضاف إليه في غير صور مخصوصة ليس هذا منها ومنع مجيئه من الخبر ومن المبتدأ‏.‏ وأجيب بأن هذا بناءً على جواز مجىء الحال من الخبر ومن المبتدأ والمضاف إليه المبتدأ في حكمه وأن ما ذكر من الصور التي يجىء الحال فيها من المضاف إليه لأن المضاف كالجزء في جواز إسقاطه، ولا يخفى أنه بناءً على ضعيف، وقيل‏:‏ كالمهل خبر ثان والجملة حال من ضمير الشجرة المستتر فيه، والتذكير باعتبار كونها طعام الأثيم أو لاكتسابها إياه مما أضيفت إليه نظير ما سمعت في البيت آنفاً وهو تكلف مستغنى عنه، وقيل‏:‏ الجملة على ذلك خبر مبتدأ محذوف هو ضمير الطعام أو الزقوم فإن كانت الجملة حينئذٍ مستأنفة فالبحث هين وإن كانت حالة عاد ما مر آنفاً ولا أراك تظنه هيناً، وقيل‏:‏ كالمهل حال من طعام وحاله معلوم، وبالجملة الوجوه في إعراب الآية كثيرة وأنا أختار منها ما ذكرته أولاً‏.‏

وقرأ عمرو بن ميمون‏.‏ وأبو رزين‏.‏ والأعرج‏.‏ وأبو جعفر‏.‏ وشيبة‏.‏ وابن محيصن‏.‏ وطلحة‏.‏ والحسن في رواية‏.‏ وأكثر السبعة ‏{‏تغلي‏}‏ بالتاء الفوقية فكالمهل خبر ثان لإن وجملة ‏{‏تغلي‏}‏ خبر ثالث واتحاد المبتدأ والخبر متكفل باتحاد القراءتين معنى فافهم ولا تغفل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏كَغَلْىِ الحميم‏}‏ صفة مصدر محذوف أي غلياً كغلي الحميم، وجوز أن يكون حالاً، والحميم ما هو في غاية الحرارة‏.‏